اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
278
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
الأبجدية في هذا الباب وإلا لما شرحها بمثل هذا التفصيل في افتتاحيته ؛ ومهما بدت لنا هذه الطريقة سهلة ومطروقة في العصر الحالي فإنه يجب ألا يغيب عن الذهن أن أول معجم جغرافى يظهر بأوروبا ( وهو معجم أورتلى Ortelius ) كان في القرن السادس عشر 45 . وكما هو الحال مع الخبراء الأول في معرفة بلاد العرب القديمة فإن معجم البكري ليس كتابا في الجغرافيا بقدر ما هو كتاب لغوى ، ولا يعالج جميع البلدان المعروفة بوجه عام مثل ما يعالج جزيرة العرب بوجه خاص . فهو قد جهد قبل كل شئ في استغراق الأسماء الواردة في القرآن والحديث وفي الشعر القديم وقصص المغازي الأولى وذلك عن طريق شرح الشواهد المتعلقة بها . وهذا المعجم الذي ورد نظام ترتيبه مشروحا مفصلا في الافتتاحية يبدأ بمقدمة كبيرة تبحث في حدود الجزيرة العربية ومناطقها ونواحيها كالحجاز وتهامة واليمن ؛ وفي القسم الثاني من المقدمة يرد الكلام على القبائل العربية المستوطنة بها وعن هجراتها . وقد كانت الافتتاحية مصدرا لبحث خاص للعلامة فستنفلد الذي يدين له العلم بطبعة كاملة للمعجم . نال المعجم تقديرا كبيرا لدى الجيل الأول من المستشرقين في القرن التاسع عشر فاعتبره دوزى فريدا لا يمكن مقارنته بشئ آخر 46 ؛ ولا شك أننا نوافقه في أنه يمثل مرجعا لا غناء عنه لكل من يشتغل بالتاريخ العربي القديم والجغرافيا والشعر الجاهلي ، ولكن يجب أن نعترف في ذات الوقت بأنه إنما يعتمد في الغالب على المادة المدونة وأن المكانة الأولى فيه تشغلها جزيرة العرب . ومن المنطقي أن يخمل ذكره وتتضاءل قيمته منذ أن أصبح معجم ياقوت في متناول الأيدي ، لأن الأخير يفوقه بشكل ملحوظ سواء في اتساع ملاحظاته المباشرة أو في اهتمامه بجميع البلدان عل قدم المساواة أو في ضخامة المادة التي ينقلها عن المؤلفين الآخرين . ومن الطريف أن نلاحظ أن ياقوت كان على علم بهذا المعجم ولكن لم يستطع الإفادة منه مباشرة ، وهو يقول ما نصه : « ولم أره بعد البحث عنه والتطلب له » 47 . وهو من وقت لآخر - - يورد ذكره عن مصادر أخرى 48 ، واستشهاداته من البكري كثيرة 49 ولكن نظرا لأنه يتحدث أحيانا عن كتابه الآخر « المسالك والممالك » 50 فمن الراجح أن يكون قد أخذها بأجمعها من هذا المصنف الأخير . وإذا حدث وأن وقفنا موقف التحفظ من شهادة دوزى الحماسية عن البكري فإنه يتحتم علينا موافقته في أن البكري هو أكبر جغرافيى الأندلس ، ولو أنه يجب أن نستدرك على ذلك بإضافة « أي للمدرسة اللغوية » . ويجب ألا يقتصر الاستدراك على لفظ الأندلس وحدها ، ذلك أنه منذ القرن الخامس الهجري ( الحادي عشر الميلادي ) ظل عدد كبير من المصادر الأدبية ، وبوجه خاص التاريخية ، يقدم مادة جغرافية ، إلا أن الأدب الجغرافي نفسه بدأ يتخذ شيئا فشيئا طابع التجميع لما خلفه المؤلفون السابقون . ولم بلبث حجم هذه المادة أن تزايد بشكل ملحوظ بحيث تولدت الرغبة في توحيد جميع المعطيات التي جمعتها الأجيال